عبد الملك الجويني
178
الشامل في أصول الدين
بموجود في غير جهة ، وهذا يجرهم إلى تجويز عدم القديم ، وسنبسط القول في ذلك في كتاب « الفناء والبقاء » . على أنا نعود إلى غرضنا من التمانع ونقول : لو قدر قديمين لا جهة لواحد منهما والإرادة لا في محل ، فينبغي أن يكونا جميعا مريدين بها من حيث لا اختصاص لها بواحد منهما . فإن راموا عن ذلك انفصالا وقالوا : يختص بالاتصاف بالإرادة فاعلها ، كان ذلك باطلا . فإن المريد لو اتصف بحكم الإرادة لفعله لها ، لوجب أن يكون الرب مريدا بالإرادة التي يبدعها في محل . والذي يوضح ذلك : أن كونه متكلما لما رجع إلى صفات الفعل على أصول المعتزلة ، قالوا على طردها : لا يفعل اللّه كلاما إلا وهو متكلم به ، فهذا مذهب البصريين . أما البغداديون من المعتزلة فقد أربوا على إخوانهم ، فأنكروا الإرادة جملة ، وقالوا : إذا ذكرت الإرادة في فعل اللّه فهي عين فعله ، وإذا ذكرت في أفعال العباد فهي أمر اللّه بها ، فلا مطمع لهؤلاء في دلالة التمانع المثبتة على القصد والرد . وما استدل أحد من البغداديين بدلالة التمانع ، وإنما توصلوا على زعمهم إلى التوحيد بطرق ذكروها ، وسنذكرها وننقضها إن شاء اللّه عز وجل . الأصل الخامس : أن تعلموا أنا إذا قدرنا قديمين فلا نثبت لواحد منهما قدرة توجب مقدورها لا محالة ، وكذلك لا نصير إلى أن إرادة كل واحد منهما توجب وجود المراد على حسب تعلقها بالمراد . وذلك أنا لو سلكنا هذه الطريقة ، وصرنا إلى أن مقدور كل واحد منهما يجب وجوده ، فلا نسلم طرد دلالة التمانع مع ذلك . وذلك أنا إذا قلنا : تحريك الجسم مقدور لأحدهما ، وتسكينه مقدور للثاني ، وأحدهما يريد التحريك والثاني يريد التسكين ، فلو قلنا بوجوب نفوذ مراديهما لما كان ذلك ممانعا ؛ بل تجويزا لاجتماع الضدين ، وهو مستحيل لا شك فيه . ولكن لو سلكنا هذا المسلك ، كان ذلك حيدا منا عن دليل التمانع ، وتشبثا بطريقة أخرى في الدلالة . وإنما عظم تناقش المتكلمين في دلالة التمانع من أنها هي الدلالة المنصوص عليها في كتاب اللّه . فخرج مما قلناه أنا إذا قدرنا قديمين وتمسكنا بطريقة التمانع ؛ لزمنا القطع بأن كل إرادة لكل قديم لا توجب مرادها ، وليس المعنى بما نطلقه في خلل الكلام من الإيجاب ؛ إيجاب العلة معلولها ، وإنما مرادنا بذلك ثبوت وجود المراد لا محالة . فإن قال قائل : كيف يستقيم ما ذكرتموه على أصلكم ، ومصيركم إلى أن الإله لا يريد